السيد كمال الحيدري

80

السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)

وأما الثاني : فهو محض افتراض واهٍ ، سنعرف قيمته لاحقاً حين نتأكّد تاريخياً من أن معاوية بدّل السنّة النبوية واقعاً ، ومن المهمّ أن نعرف أنّ علاقة أبي ذرّ بمعاوية قد تفاقمت أثناء تواجده في الشام حتّى أنّ معاوية اشتكاه إلى الخليفة مرّتين ، مرّة في زمن عمر بن الخطّاب فلم يستجب الأخير لدعوى معاوية وأبقى أبا ذرّ في الشام ، والثاني زمن عثمان وقد قال معاوية إن أبا ذرّ يفسد عليه أهل الشام وأراد إخراجه ، فوافقه عثمان على ذلك ، وهناك تفاصيل كثيرة لهذه القصّة الأخيرة حول الصورة التي أُخرج عليها أبو ذرّ ثمَّ نفيه من قبل الخلفية إلى الربذة أو اعتزال أبي ذر فيها كما يذهب البعض ، وعلى كلا الاحتمالين - وليس هذا موضع تحقيق الصحيح منهما - فإنَّ علاقة أبي ذرّ بمعاوية احتوت على الكثير من التوتّر والصدام والتنابذ ، وقد اعترض أبو ذرّ في مواطن كثيرة على سلوك معاوية . وهذا يقرّب أن أبا ذرّ كان يفهم أنّ المقصود بهذا الحديث معاوية وليس شخصاً آخر من بني أميّة ، لاسيّما أن يزيد ( 25 - 64 ه - ) كان صغيراً حين روى أبو ذر ( ت 32 ه - ) هذا الحديث . المصدر الثاني : وأورده - بالإسناد المتقدّم عن أبي العالية - الحافظ البوصيري في كتابه ( إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة ) ، قال : ( لما كان زمن يزيد بن أبي سفيان أميراً بالشام ، قال : غزا المسلمون فسلموا وغنموا فكان في غنيمتهم جارية نفيسة ، فصارت لرجل من المسلمين ، فأرسل إليه يزيد فانتزعها منه ، وأبو ذرّ يومئذٍ بالشام ، قال : فاستعان الرجل بأبي ذرّ على يزيد فانطلق عليه ، فقال ليزيد : ردّ عليه جاريته . فتلكّأ ثلاث مرات ، فقال أبو ذرّ : أما والله لئن فعلت لقد سمعت رسول الله ( ص ) يقول : أوّل من يترك سنّتي رجل من بني أميّة . قال : ثمَّ ولّى عنه . فلحقه يزيد فقال : أذكّرك بالله أنا هو ؟